القرطبي

52

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

قل لا إله إلا اللّه فجعل يقول : البقرة الصفراء ، غلب عليه حبها والاشتغال بها . نسأل اللّه السلامة والممات على الشهادة بمنه وكرمه . ولقد حكى ابن ظفر في كتاب « النصائح » له قال : كان يونس بن عبيد - رحمه اللّه تعالى - بزّازا ، وكان لا يبيع في طرفي النهار ولا في يوم غيم ، فأخذ يوما ميزانه فرضّه بين حجرين فقيل له : هلا أعطيته الصانع فأصلح فساده ؟ فقال : لو علمت فيه فسادا لما أبقيت من مالي قوت ليلة . قيل له : فلم كسرته ؟ قال : حضرت الساعة رجلا احتضر فقلت له : قل لا إله إلا اللّه فامتعض ، فألححت عليه فقال : ادع اللّه لي ، فقال : هذا لسان الميزان على لساني يمنعني من قولها . قلت أفما يمنعك إلا من قولها ؟ فقال : نعم . قلت : وما كان عملك به ؟ قال : ما أخذت ولا أعطيت به إلا حقّا في علمي ، غير أني كنت أقيم المدة لا أفتقده ولا أختبره . فكان يونس بعد ذلك يشترط على من يبايعه أن يأتي بميزانه ويزن بيده وإلا لم يبعه . * * * 15 باب ما جاء في سوء الخاتمة وما جاء أن الأعمال بالخواتيم ( مسلم ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار ، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة » « 1 » . وفي البخاري عن سهل بن سعد ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال بالخواتيم » « 2 » . قال أبو محمد عبد الحق : اعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا اللّه منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ، فاسمع ما سمع بهذا ولا علم به - والحمد للّه - وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل ، أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم ، فربما غلب

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2643 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3208 ، 3332 ، 6594 ، 7454 ) .